فصل: تفسير الآيات رقم (7- 11)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏39- 41‏]‏

‏{‏هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا ‏(‏39‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ‏(‏40‏)‏ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ‏(‏41‏)‏‏}‏

ولما كان من أنشأ شيئاً كان أعلم به، وإتقان صنعه يدل على تمام قدرة صانعه، وتمام قدرته ملزوم لتمام علمه، قال‏:‏ ‏{‏هو‏}‏ أي وحده لا شركاؤكم ولا غيرهم ‏{‏الذي جعلكم‏}‏ أي أيها الناس ‏{‏خلائف‏}‏ جمع خليفة، وهو الذي يقوم بعد الإنسان بما كان قائماً به، والخلفاء جمع خليف- قال الأصبهاني، وقال القشيري‏:‏ أهل كل عصر خليفة عمن تقدمهم، فمن قوم هم لسلفهم جمال، ومن قوم هم أراذل وأندال، الأفاضل زمانهم لهم محنة، والأراذل هم لزمانهم محنة‏.‏

ولما كان المراد توهية أمر شركائهم، وكانت تحصل بسلب قدرتهم على ما مكن فيه سبحانه العابدين من الأرض، أدخل الجار دلالة على أنهم على كثرتهم وامتداد أزمنتهم لا يملؤون مسكنهم بتدبيره لإماتة كل قرن واستخلاف من بعدهم عنهم، ولو لم يمتهم لم تسعهم الأرض مع التوالد على طول الزمان، وهم في الأصل قطعة يسيرة من ترابها فقال‏:‏ ‏{‏في الأرض‏}‏ أي فيما أنتم فيه منها لا غيره تتصرفون فيه بما قدرتم عليه، ولو شاء لم يصرفكم فيه، فمن حقه أن تشكروه ولا تكفروه‏.‏

ولما ثبت أن ذلك نعمة منه، عمرهم فيه مدة يتذكر فيه من تذكر، تسبب عنه قوله‏:‏ ‏{‏فمن كفر‏}‏ أي بعد علمه بأن الله هو الذي مكنه لا غيره، واحتقر هذه النعمة السنية ‏{‏فعليه‏}‏ أي خاصة ‏{‏كفره‏}‏ أي ضرره‏.‏ ولما كان كون الشيء على الشيء محتملاً لأمور، بيّن حاله بقوله مؤكداً لأجل من يتوهم أن بسط الدنيا على الفاجر ربح وإكرام من الله له ‏{‏ولا‏}‏ أي والحال لأنه لا ‏{‏يزيد الكافرين‏}‏ أي المغطين للحق ‏{‏كفرهم‏}‏ أي الذي هم متلبسون به ظانون أنه يسعدهم وهو راسخون فيه غير متمكنين عنه، ولذا لم يقل‏:‏ لا يزيد من كفر قد يكون كفره غير راسخ فيسلم ‏{‏عند ربهم‏}‏ أي المحسن إليهم ‏{‏إلا مقتاً‏}‏ أي لأنه يعاملهم معاملة من يبغض ويحتقر أشد بغض واحتقار‏.‏

ولما كان المراد من هذه الصفات في حق الله تعالى غاياتها، وكان ذكرها إنما هو تصوير له بأفظع صورها لزيادة التنفير من أسبابها، وكانوا ينكحون نساء الآباء مع أنهم يسمونه نكاح المقت، نبه على أنهم لا يبالون بالتمقت إلى المحسن، فقال ذاكراً للغاية مبيناً أن محط نظرهم الخسارة المالية تسفيلاً لهممهم زيادة في توبيخهم‏:‏ ‏{‏ولا يزيد الكافرين‏}‏ أي العريقين في صفة التغطية للحق ‏{‏كفرهم إلا خساراً *‏}‏ أي في الدنيا والآخرة في المال والنفس وهو نهاية ما يفعله الماقت بالممقوت‏.‏

ولما بيّن أنه سبحانه هو الذي استخلفهم، أكد بيان ذلك عندهم بأمره صلى الله عليه وسلم بما يضطرهم إلى الإعتراف به فقال‏:‏ ‏{‏قل أرءيتم‏}‏ أي أخبروني ‏{‏شركاءكم‏}‏ أضافهم إليهم لأنهم وإن كانوا جعلوهم شركاءه لم ينالوا شيئاً من شركته لأنهم ما نقصوه شيئاً من ملكه، وإنما شاركوا العابدين في أموالهم بالشوائب وغيرها وفي أعمالهم فهم شركاؤهم بالحقيقة لا شركاؤه، ثم بين المراد من عدهم لهم شركاء بقوله‏:‏ ‏{‏الذين تدعون‏}‏ أي تدعونهم شركاء ‏{‏من دون الله‏}‏ أي الذي له جميع صفات الكمال‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ بأي شيء جعلتموهم شركاء في العبادة، ألهم شرك في الأرض، بنى عليه قوله مكرراً لإشهادهم عجز شركائهم ونقص من عبدوه من دونه‏:‏ ‏{‏أروني ماذا‏}‏ أي الذي أو أيّ شيء ‏{‏خلقوا من الأرض‏}‏ أي لتصح لكم دعوى الشركة فيهم، وإلا فادعاؤكم ذلك فيهم كذب محض وأنتم تدعون أنكم أبعد الناس منه في الأمور الهينة فكيف بمثل هذا، ولعل استفهامهم عن رؤية شركائهم تنبيه على أنهم من الامتهان والحقارة بحيث يراهم كل من يقصد رؤيتهم ويعلم أنه لا خلق لهم، والله تعالى، بخلاف ذلك في كل من الأمرين، مترد برداء الكبر محتجب بحجاب الجلال والعز، وكل أحد يعلم أنه خالق لكل مخلوق، فكيف يكون من لا يخلق كمن يخلق‏.‏

ولما نبههم بهذا الأمر الذي ساقه المعلم بأنه لا ينبغي لعاقل أن يدعي شركة لشيء حتى يعلم الشركة وإن جهل عين المشارك فيه، قال مؤكداً لذلك موسعاً لهم في المحال، زيادة في تبكيتهم على ما هم فيه من الضلال‏:‏ ‏{‏أم لهم شرك‏}‏ أي وإن كان قليلاً ‏{‏في السماوات‏}‏ أي أروني ما خلقوا في السماوات، فالآية من الاحتباك‏:‏ حذف أولاً الاستفهام عن الشركة في الأرض لدلالة مثله في السماء ثانياً عليه، وحذف الأمر بالإراءة ثانياً مثله أولاً عليه‏.‏

ولما أتم التبكيت بالاستفهام عن المرئي، أتبعه التوبيخ بالاستفهام عن المسموع، مؤذناً بالالتفات إلى التكلم بمظهر العظمة بشديد الغضب فقال‏:‏ ‏{‏أم آتيناهم‏}‏ أي الشركاء أو المشركين بهم بما لنا من العظمة ‏{‏كتاباً‏}‏ أي دالاً على انه من عندنا بإعجازه أو غير ذلك من البراهين القاطعة ثبتت لهم شركة ‏{‏فهم‏}‏ أي المشركون ‏{‏على بينة‏}‏ أي حجة ظاهرة، وبينات- على القراءة الأخرى، أي دلائل واضحات بما في ذلك الكتاب من ضروب البيان ‏{‏منه‏}‏ أي ذلك الكتاب على أنا أشركناهم في الأمر حتى يشهدوا لهم هذه الشهادة التي لا يسوغون مثلها في إثبات الشركة لعبد من عبيدهم في أحقر الأشياء فكيف يسوغونها في انتقاص الملك الذي لا خير عندهم إلا منه غير هائبين له ولا مستحين منه‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ لم يكن شيء من ذلك فليسوا على بيان، بل على غرور، قال منبهاً لهم على ذميم أحوالهم وسفه آرائهم وخسة هممهم ونقصان عقولهم مخبراً أنهم لا يقدرون على الإتيان بشيء مما به يطالبون وأنه ليس لهم جواب عما عنه يسألون، وأكده لأجل ظنهم أن أمورهم في غاية الإحكام، ‏{‏بل أن‏}‏ أي ما ‏{‏يعد الظالمون‏}‏ أي الواضعون للأشياء في غير مواضعها ‏{‏بعضهم بعضاً‏}‏ أي الأتباع للمتبوعين بأن شركاءهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تشفع وتضر ولا تنفع ‏{‏إلا غروراً *‏}‏‏.‏

ولما بين حقارة الأصنام وكل ما أشركوا به النسبة إلى جلال عظمته، وكانوا لا يقدرون على ادعاء الشركة في الخلق في شيء من ذلك، وكان ربما أقدم على ادعائه معاند منهم أو من غيرهم، وكان الناس قد توصلوا إلى معرفة شيء من التغيرات الفلكية كالشروق والغروب والخسوف، وكانوا لا علم لهم بشيء من الزلازل والزوال، قال مبيناً عظمته سبحانه بعد تحقير أمر شركائهم معجزاً مهدداً لهم على إقدامهم على هذا الافتراء العظيم مبيناً للنعمة بعدم المعاجلة بالهلاك، وأكده لأن من الناس المكذوب به وهم المعطلة، ومنهم من عمله- وإن كان مقراً- عمل المكذب وهو من ينكر شيئاً من قدرته كالبعث‏:‏ ‏{‏إن الله‏}‏ أي الذي له جميع صفات الكمال ‏{‏يمسك السماوات‏}‏ أي على كبرها وعلوها ‏{‏والأرض‏}‏ أي على سعتها وبعدها عن التماسك على ما يشاهدون إمساكاً مانعاً من ‏{‏أن تزولا *‏}‏ أي بوجه عظيمة وزلزلة كبيرة، أو زوالاً لا تماسك معه لأن ثباتهما على ما هما عليه على غير القياس لولا شامخ قدرته وباهر عزته وعظمته، فإن ادعيتم عناداً أن شركاءكم لا يقدرون على الخلق لعلة من العلل فادعوهم لإزالة ما خلق سبحانه‏.‏

ولما كان هذا دليل على أنهما حادثتان زائلتان، أتبعه ما هو أبين منه، فقال معبراً بأداة الإمكان‏:‏ ‏{‏ولئن زالتا‏}‏ أي بزلزلة أو خراب ‏{‏إن‏}‏ أي ما ‏{‏أمسكهما‏}‏ وأكد استغراق النفي بقوله‏:‏ ‏{‏من أحد‏}‏ ولما كان المراد أن غيره سبحانه لا يقدر على إمساكهما في زمن من الأزمان وإن قل، أثبت الجار فقال‏:‏ ‏{‏من بعده‏}‏ أي بعد إزالته لهما، بل وإذا زلزلت الأرض اضطرب كل شيء عليها والأصنام من جملته، فدل ذلك قطعاً على أن الشركاء مفعولة لا فاعلة‏.‏

ولما كان السياق إلى الترغيب في الإقبال عليه وحده أميل منه إلى الترهيب، وكان كأنه قيل‏:‏ هو جدير بأن يزيلهما لعظيم ما يرتكبه أهلهما من الآثام وشديد الإجرام، قال جواباً لذلك وأكده لأن الحكم عما يركبه المبطلون على عظمه وكثرتهم مما لا تسعه العقول‏:‏ ‏{‏إنه كان‏}‏ أي أزلاً وأبداً ‏{‏حليماً‏}‏ أي ليس من شأنه المعاجلة بالعقوبة للعصاة لأنه لا يستعجل إلا من يخاف الفوت فينتهز الفرص، ورغب في الإقلاع مشيراً إلى أنه ليس عنده ما عند حلماء البشر من الضيق الحامل لهم على أنهم إذا غضبوا بعد طول الأناة لا يغفرون بقوله‏:‏ ‏{‏غفوراً *‏}‏ أي محاء لذنوب من رجع إليه، وأقبل بالاعتراف عليه، فلا يعاقبه ولا يعاتبه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏42- 43‏]‏

‏{‏وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ‏(‏42‏)‏ اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ‏(‏43‏)‏‏}‏

ولما كان التقدير‏:‏ فقالوا‏:‏ إنا لا ندعي أنهم خلقوا شيئاً من السماوات ولا من الأرض ونحن مقرون بأنه لا يمسك السماوات والأرض إلا الله، وإنما نعبدهم لقربونا إلى الله زلفى، كما كان يفعل آباؤنا، ولولا أنه لهم على ذلك دليلاً ما فعلوه، عطف عليه قوله مبيناً ضلالهم في تكذيبهم الرسل بعد ما ظهر من ضلالهم في إشراكهم بالمرسل وهو يمهلهم ويرزقهم دليلاً على حلمه مع علمه‏:‏ ‏{‏وأقسموا‏}‏ أي كفار مكة ‏{‏بالله‏}‏ أي الذي لا عظيم غيره ‏{‏جهد أيمانهم‏}‏ أي بغاية ما يقدرون عليه من الأيمان، قال البغوي‏:‏ لما بلغهم- يعني كفار مكة- أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا‏:‏ لعن الله اليهود والنصارى‏!‏ أتتهم رسلهم فكذبوهم، لو أتانا رسول لنكونن أهدى ديناً منهم‏.‏

ولما أخبر عن قسمهم، حكى معنى ما أقسموا عليه دون لفظه بقوله‏:‏ ‏{‏لئن جاءهم‏}‏ وعبر بالسبب الأعظم للرسالة فقال‏:‏ ‏{‏نذير‏}‏ أي من عند الله ‏{‏ليكونن‏}‏ أي الكفار ‏{‏أهدى‏}‏ أي أعظم في الهدى ‏{‏من إحدى‏}‏ أي واحدة من ‏{‏الأمم‏}‏ أي السالفة أو من الأمة التي لم تكن في الأمم التي جاءتها النذر أهدى منها، قال أبو حيان‏:‏ كما قالوا هو أحد الأحدين، وهي إحدى الأحد، يريدون التفضيل في الدهاء والعقل‏.‏ لأنهم أحد أذهاناً وأقوم لساناً وأعظم عقولاً، وألزم لما يدعو إليه العقل، وأطلب لما يشهد بالفضل، وأكدوا بالقسم لأن الناظر لتكذيب أهل العلم بالكتاب يكذبهم في دعوى التصديق قياساً أخروياً، ودل على إسراعهم في الكذب بالفاء فقال‏:‏ ‏{‏فلما جاءهم نذير‏}‏ أي على ما شرطوا وزيادة، وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي كانوا يشهدون أنه خيرهم مع كونه خيرهم نفساً وأشرفهم نسباً وأكرمهم في كل خلق أماً وأباً، وأمتنهم في كل مأثرة سبباً ‏{‏ما زادهم‏}‏ أي مجيئه شيئاً مما هم عليه من الأحوال ‏{‏إلا نفوراً *‏}‏ أي لأنه كان سبباً في زيادتهم في الكفر كالإبل التي كانت نفرت من ربها فضلت عن الطريق فدعاها فازدادت بسبب دعائه نفرة فأعرقت في الضلال فصارت بحيث يتعذر أو يتعسر ردها فتبين أنه لا عهد لهم مع ادعائهم أنهم أوفى الناس، ولا صدق عندهم مع جزمهم بأنهم أصدق الخلق‏.‏ ولما كانوا قد جبلوا على الضلال، وكان النفور قد يكون لأمر محمود أو مباح، علله بقوله‏:‏ ‏{‏استكباراً‏}‏ أي طلباً لإيجاد الكبر لأنفسهم ‏{‏في الأرض‏}‏ أي التي من شأنها السفول والتواضع والخمول ‏{‏ومكر السيئ‏}‏ أي ولأجل مكرهم المكر الذي من شأنه أن يسوء صاحبه وغيره، وهو إرادتهم لإيهان أمر النبي صلى الله عليه وسلم وإطفاء نور الله، وقراءة عبد الله ‏{‏ومكراً سيئاً‏}‏ يدل على أنه من إضافة الشيء إلى صفته، وقراءة حمزة بإسكان الهمزة بنية الوقف إشارة إلى تدقيقهم المكر وإتقانه وإخفائه جهدهم ‏{‏ولا‏}‏ أي والحال أنه لا ‏{‏يحيق‏}‏ أي يحيط إحاطة لازمة ضارة ‏{‏المكر السيئ‏}‏ أي الذي هو عريق في السوء ‏{‏إلا بأهله‏}‏ وإن آذى غير أهله، لكنه لا يحيط بذلك الغير، وعن الزهري أنه قال‏:‏ بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

«لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله يقول هذه الآية، ولا تبغوا ولا تعينوا باغياً يقول الله ‏{‏إنما بغيكم على أنفسكم‏}‏ ولا تنكثوا ولا تعينوا ناكثاً قال الله‏:‏ ‏{‏ومن نكث فإنما ينكث على نفسه‏}‏»‏.‏

ولما كان هذا سنة الله التي لا تبديل لها، قال مسبباً عن ذلك‏:‏ ‏{‏فهل ينظرون‏}‏ أي ينتظرون، ولعله جرد الفعل إشارة إلى سرعة الانتقام من الماكر المتكبر، ويمكن أن يكون من النظر بالعين لأنه شبه العلم بالانتقام من الأولين مع العلم بأن عادته مستمرة، لأنه لا مانع له منها لعظيم تحققه وشدة استيقانه وقوة استحضاره بشيء محسوس حاضر لا ينظر شيء غيره في ماض ولا آت لأن غيره بالنسبة إليه عدم‏.‏ ولما جعل استقبالهم لذلك انتظاراً منهم له، وكان الاستفهام إنكاريا، فكان بمعنى النفي قال‏:‏ ‏{‏إلا سنت الأولين‏}‏ أي طريقتهم في سرعة أخذ الله لهم وإنزال العذاب بهم‏.‏

ولما كان هذا النظر يحتاج إلى صفاء في اللب وذكاء في النفس، عدل عن ضميرهم إلى خطاب أعلى الخلق، تنبيهاً على أن هذا مقام لا يذوقه حق ذوقه غيره، فسبب عن حصر النظر أو الانتظار في ذلك قوله، مؤكداً لأجل اعتقاد الكفرة الجازم بأنهم لا يتغيرون عن حالهم وأن المؤمنين لا يظهرون عليهم‏:‏ ‏{‏فلن تجد‏}‏ أي أصلاً في وقت من الأوقات ‏{‏لسنت الله‏}‏ أي طريقة الملك الأعظم التي شرعها وحكم بها، وهي إهلاك العاصين وإنجاء الطائعين ‏{‏تبديلاً‏}‏ أي من أحد يأتي بسنة أخرى غيرها تكون بدلاً لها لأنه لا مكافئ له ‏{‏ولن تجد لسنت الله‏}‏ أي الذي لا أمر لأحد معه ‏{‏تحويلاً *‏}‏ أي من حالة إلى أخفى منها لأنه لا مرد لقضائه، لأنه لا كفوء له، وفي الآية أن أكثر حديث النفس الكذب، فلا ينبغي لأحد أن يظن بنفسه خيراً ولا أن يقضي على غائب إلا أن يعلقه بالمشيئة تبرؤاً من الحول والقوة لعل الله يسلمه في عاقبته‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 45‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ‏(‏44‏)‏ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ‏(‏45‏)‏‏}‏

ولما بيّن أن حالهم موجب ولا بد للإيقاع بهم لما ثبت من أيام الله، وأنكر ذلك عليهم، وكان التقدير‏:‏ ألم يسمعوا أخبار الأولين المرة وأحوالهم المستمرة من غير تخلف اصلاً في أن من كذب رسولاً أخذ، فقال عاطفاً عليه استشهاداً على الخبر عن سنته في الأولين بما يذكر من آثارهم‏:‏ ‏{‏أولم يسيروا‏}‏ أي فيما مضى من الزمان ‏{‏في الأرض‏}‏ أي التي ضربوا في المتاجر بالسير إليها في الشام واليمن والعراق ‏{‏فينظروا‏}‏ أي فيتسبب لهم عن ذلك السير أنه يتجدد لهم نظر واعتبار يوماً من الأيام، فإن العاقل من إذا رأى شيئاً تفكر فيه حتى يعرف ما ينطق به لسان حاله إن خفي عنه ما جرى من مقاله، وأشار بسوقه في أسلوب الاستفهام إلى أنه لعظمه خرج عن أمثاله فاستحق السؤال عن حاله ‏{‏كيف كان عاقبة‏}‏ أي آخر أمر ‏{‏الذين‏}‏ ولما كان عواقب الدمار في بعض ما مضى من الزمان، أثبت الجار فقال‏:‏ ‏{‏من قبلهم‏}‏ أي على أيّ حالة كان أخذهم ليعلموا أنهم ما أخذوا إلا بتكذيب الرسل فيخافوا أن يفعلوا مثل أفعالهم فيكون حالهم كحالهم، وهذا معنى يس ‏{‏أنهم إليهم لا يرجعون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 31‏]‏ سواء كما يأتي أن شاء الله تعالى بيانه‏.‏ ولما كان السياق لاتصافهم بقوتي الظاهر من الاستكبار والباطن من المكر الضار مكّن قوة الذين خوفهم بمثل مآلهم بوصفهم بالأشدية في جملة حالية فقال‏:‏ ‏{‏وكانوا‏}‏ أي أهلكناهم لتكذيبهم رسلنا والحال أنهم كانوا ‏{‏أشد منهم‏}‏ أي من هؤلاء ‏{‏قوة‏}‏ في قوتي الاستكبار والمكر الجارّ بعد العار إلى النار‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فما أعجز الله أمر أمة منهم، ولا أمر أحد من أمة حين كذبوا رسولهم، وما خاب له ولي ولا ربح ولا عدو، عطف عليه قوله، مؤكداً إشارة إلى تكذيب الكفرة في قطعهم بأن دينهم لا يتغير، وأنهم لا يغلبون أبداً لما لهم من الكثرة والمكنة وما للمسلمين من القلة والضعف‏:‏ ‏{‏وما كان الله‏}‏ أي الذي له جميع العظمة؛ وأكد الاستغراق في النفي بقوله‏:‏ ‏{‏ليعجزه‏}‏ أي مريداً لأن يعجزه، ولما انتفت إرادة العجز فيه انتفى العجز بطريق الأولى‏!‏ وأبلغ في التأكيد بقوله‏:‏ ‏{‏من شيء‏}‏ أي قل أو جل‏!‏ وعم بما يصل إليه إدراكنا بقوله‏:‏ ‏{‏في السماوات‏}‏ أي جهة العلو، وأكد بإعادة النافي فقال‏:‏ ‏{‏ولا في الأرض‏}‏ أي جهة السفل‏.‏ ولما كان منشأ العجز الجهل، علل بقوله مؤكداً لما ذكر في أول الآية‏:‏ ‏{‏إنه كان‏}‏ أي أزلاً وأبداً ‏{‏عليماً‏}‏ أي شامل العلم ‏{‏قديراً *‏}‏ أي كامل القدرة، فلا يريد شيئاً إلا كان‏.‏

ولما كانوا يستعجلون بالتوعد استهزاء فيقولون‏:‏ ما له لا يهلكنا، علم أن التقدير‏:‏ لو عاملكم الله معاملة المؤاخذ لعجل إهلاككم، فعطف عليه قوله إظهاراً للحكم مع العلم‏:‏ ‏{‏ولن يؤاخذ الله‏}‏ أي بما له من صفات العلو ‏{‏الناس‏}‏ أي من فيه نوس أي حركة واضطراب من المكلفين عامة‏.‏

ولما كان السياق هنا لأفعال الجوارح لأن المكر والكبر إنما تكره آثارهما لا الاتصاف بهما، بخلاف الذي هو سياق النحل فإنه ممنوع من الاتصاف وإن لم يظهر به أثر من آثار الجوارح، عبر هنا بالكسب وفك المصدر ليخص ما وجد منه بالفعل فقال‏:‏ ‏{‏بما كسبوا‏}‏ أي من جميع أعمالهم سواء كان حراماً أو لا ‏{‏ما ترك على ظهرها‏}‏ أي الأرض ‏{‏من دآبة‏}‏ أي بل كان يهلك الكل، أما المكلفون فلأنه ليس في أعمالهم شيء يقدره سبحانه حق قدره، لما لهم من النقص ولما له سبحانه من العلو والارتقاء والكمال، وأما غيرهم فإنما خلقوا لهم، والمعاصي تزيل النعم وتحل النقم، وذلك كما فعل في زمان نوح عليه السلام، لم ينج ممن كان على الأرض غير من كان في السفينة ‏{‏ولكن‏}‏ لم يعاملهم معاملة المؤاخذ المناقش، بل يحلم عنهم فهو ‏{‏يؤخرهم‏}‏ أي في الحياة الدنيا ثم في البرزخ ‏{‏إلى أجل مسمى‏}‏ أي سماه في الأزل لانقضاء أعمارهم ثم لبعثهم من قبورهم، وهو لا يبدل القول لديه لما له من الصفات التي هي أغرب الغريب عندكم لكونكم لا تدركونها حق الإدراك ‏{‏فإذا جاء أجلهم‏}‏ أي الفنائي الإعدامي قبض كل واحد منهم عند أجله، أو الإيجابي الإبقائي بعث كلاًّ منهم فجازاه بعمله من غير وهم ولا عجز‏.‏

ولما كانوا ينكرون ما يفمهه ذلك من البعث، أكد فقال‏:‏ ‏{‏فإن الله‏}‏ أي الذي له صفات الكمال الموجد بتمام القدرة وكمال الاختيار ‏{‏كان‏}‏ ولم يزل‏.‏ ولما كان السياق للكسب الذي هو أعم من الظلم قال‏:‏ ‏{‏بعباده‏}‏ الذين أوجدهم ولا شريك له في إيجاد أحد منهم بجميع ذواتهم واحوالهم ‏{‏بصيراً *‏}‏ أي بالغ البصر والعلم بمن يستحق العذاب منهم بالكسب ومن يستحق الثواب، فقد انطبق آخرها كما ترى على أولها باستجماع صفات الكمال وتمام القدرة على كل من الإيجاد والإعدام للحيوان والجماد مهما أراد بالاختيار، لما شوهد له سبحانه من الآثار، كما وقع الإرشاد إليه بالأمر بالسير وبغيره وبما ختمت به السورة من صفة العلم على وجه أبلغ من ذكره بلفظه، لما مضى في سورة طه من أن إحاطة العلم تستلزم شمول القدرة، ولا تكون القدرة شاملة إلا إذا كانت عن اختيار، فثبت حينئذ استحقاقه تعالى لجميع المحامد، فكانت عنه سبحانه الرسالات الهائلة الجامعة للعزة والحكمة بالملائكة المجردين عن الشهوات وكل حظ إلى من ناسبهم من البشر بما غلب من جيش عقله على عساكر شهواته ونفسه، حتى صار عقلاً مجرداً صافياً، حاكماً على الشهوات والحظوظ قاهراً كافياً‏.‏

سورة يس

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏يس ‏(‏1‏)‏ وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ ‏(‏2‏)‏ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏3‏)‏ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏4‏)‏ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ‏(‏5‏)‏ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

ولما كان القلب من الإنسان المقصود بالذات من الأكوان في نحو ثلث بدنه من جهة رأسه، وكانت الياء في نحو ذلك من حروف «أبجد» فإنها العاشرة منها والسين بذلك المحل من حروف أ ب ت ث فإنها الثانية عشرة منها، وعلا هذان الحرفان- بما فيهما من الجهر- عن غاية الضعف ونزلا بما لهما من الهمس عن نهاية الشدة، إشارة إلى أن القلب الصحيح هو الزجاجي الشفاف الجامع بين الصلابة والرقة الذي علا بصلابته عن رقة الماء الذي لا يثبت فيه صورة، ونزل بلطافته عن قساوة الحجر الذي لا يكاد ينطبع فيه شيء إلا بغاية الجهد، فكان جامعاً بين الصلابة والرقة متهيئاً لأن تنطبع فيه الصور وتثبت ليكون قابلاً مفيداً، فيكون متخلفاً من صفات موجدة بالقدرة والاختيار اللذين دلت عليهما سورة الملائكة، وبمعرفة الخير فيجتلبه والشر فيجتنبه فيكون فيه شاهد من نفسه على الاعتقاد الحق في صانعه، وكانت المجهورة أقوى فقدمت الياء لجهرها، وكانتا- بعد اختلاف بالجهر والهمس- قد اتفقتا في الانفتاح والرخاوة والاستفال إشارة إلى أن القلب لا يصلح- كما تقدم- مع الصلابة التي هي في معنى الجهر إلا بالإخبات الذي هو في معنى الهمس، وبالنزول عن غاية الصلابة إلى حد الرخاوة لئلا يكون حجرياً قاسياً بأن يكون فيه انفتاح ليكون مفيداً وقابلاً ويكون مستفلاً ليكون إلى ربه بتواضعه واصلاً وزادت السين بالصفير الذي فيه شدة وانتشار وقوة لضعفها عن الياء بالهمس فتعادلتا، ودل صفيرها على النفخ في الصور الذي صرحت به هذه السورة ودل جهر الياء على قوته ودل كونها من حروف النداء على خروجه عن الحد في الشده حتى تبدو عنه تلك الآثار المخلية للديار، المنفية للصغار والكبار، ثم الباغتة لهم من جميع الأقطار، امتثالاً لأمر الواحد القهار، وكان مخرجهما من اللسان الذي هو قلب المخارج الثلاثة لتوسطه وكثرة منافعه في ذلك، وكانت الياء من وسطه والسين من طرفه، وكان هذان المخرجان، مع كونهما وسطاً، مداراً لأكثر الحروف، هذا مع ما لهما من الأسرار التي تدق عن تصور الأفكار، قال تعالى‏:‏ ‏{‏يس *‏}‏ وإن كان المعنى‏:‏ يا إنسان، فهو قلب الموجودات المخلوقات كلها وخالصها وسرها ولبابها، وإن أريد‏:‏ يا سيد، فهو خلاصة من سادهم، وإن أريد‏:‏ يا رجل، فهو خلاصة البشر، وإن أريد‏:‏ يا محمد، فهو خالصة الرجال الذين هم لباب البشر الذين هم سر الأحياء الذين هم عين الموجودات فهو خلاصة الخلاصة وخيار وعين القلب، وكأن من قال معناه محمد نظر إلى الإتحاد في عدد اسمه صلى الله عليه وسلم بالجمل بالنظر إلى اليمين في المشددة وعدد ‏{‏قلب‏}‏ وعدد اسمي الحرفين، ولا يخفى أن الهمزة في اسم الياء ألف ثانية، فمبلغ عدده اثنا عشر‏.‏

ولما تقدم في الملائكة إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وتهديد قومه على النفرة عنه، وأن مرسله تعالى بصير بعباده، عالم بما يصلحهم ومن يصلح منهم للرسالة وغيرها، وكان مدار مادة «قرأ»- كما مضى في سورة الحجر- الجمع مع الفرق، وكان ذلك أعلى مقامات السائرين إلى الله وهو وظيفة القلب، عبر في القسم بقوله‏:‏ ‏{‏والقرآن‏}‏ ووصفه بصفة القلب العازف فقال‏:‏ ‏{‏الحكيم *‏}‏ أي الجامع من الدلالة على العلم المزين بالعمل والإرشاد إلى العمل المحكم بالعلم‏.‏

ولما كان قد ثبت في سورة الملائكة أنه سبحانه الملك الأعلى، لما ثبت له من تمام القدرة وشمول العلم، وكان من أجلّ ثمرات الملك إرسال الرسل إلى الرعايا بأوامر الملك وردهم عما هم عليه مما دعتهم إليه النفوس، وقادتهم إليه الشهوات والحظوظ، إلى ما يفتحه لهم من الكرم، ويبصرهم به من الحكم، وكانت الرسالة أحد الأصول الثلاثة التي تنقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان، وكانت هي المنظور إليها أولاً لأنها السبب في الأصلين الآخرين، وكانوا قد ردوا رسالته نفوراً واستكباراً، قال مقدماً لها تقديم السببعلى مسببه على وجه التأكيد البليغ مع ضمير الخطاب الذي لا يحتمل لبساً‏:‏ ‏{‏إنك لمن المرسلين *‏}‏ أي الذين حكمت عقولهم على دواعي نفوسهم، فصاروا- بما وهبهم الله القوة النورانية- كالملائكة الذين قدم في السورة الماضية أنهم رسله وفي عدادهم بما تخلقوا به من أوامره ونواهيه وجميع ما يرتضيه‏.‏

ولما كان الأنبياء عليهم السلام من نوره صلى الله عليه وسلم، لأنه أولهم خلقاً وآخرهم بعثاً، فكانوا في الحقيقة إنما هم ممهدون لشرعه، وكان سبحانه إنما أرسله ليتمم مكارم الأخلاق، وكان قد جعل سبحانه من المكارم أن لا يكلم الناس إلا بما تسع عقولهم، وكانت عدة المرسلين كما في حديث أبي أمامة الباهلي عن أبي ذر رضي الله عنهما عند أحمد في المسند ثلاثمائة وخمسة عشر، وفيه أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وهو في الطبراني الكبير عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر عدد الرسل فقط، وكانت عقول العرب لا تسع بوجه قبل الإيمان أنهم منه، أقسم سبحانه ظاهراً أنه منهم ورمزاً للأصفياء باطناً إلى أنهم منه، بجعلهم عدد أسماء حروف اسمه محمد صلى الله عليه وسلم الذي رمز إليه بالحرفين أول السورة، فكأنه قال‏:‏ إنك يا ياسين الذي تأويله محمد الذي عدد أسماء حروفه بعددهم لأصلهم، فصار رمزاً في رمز، وكنزاً نفيساً داخل كنز، وسراً من سر، وبراً إلى بر، وهو أحلى في منادمة الأحباب من صريح الخطاب، ثم علق باسم المفعول قوله‏:‏ ‏{‏على صراط‏}‏ أي طريق واسع واضح ‏{‏مستقيم *‏}‏ أي أنت من هؤلاء الذين قد ثبت لهم أنهم عليه، وهو الصراط المستقيم الأكمل المتقدم في الفاتحة لأنه لخواص المنعم عليهم ولقوله تعالى في حق موسى وهارون عليه السلام ‏{‏وهديناهما الصراط المستقيم‏}‏ فيكون تنوينه- بما أرشد إليه القسم والتأكيد- للتعظيم، والمعنى أنهم قد ثبت لهم هذا الوصف العظيم وأنت منهم بما شاركتهم فيه من الأدلة، فليس لأحد أن يخصك من بينهم بالتكذيب‏.‏

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير‏:‏ لما أوضحت سورة سبأ وسورة فاطر من عظيم ملكه تعالى وتوحده بذلك وانفراده بذلك بالملك والخلق والاختراع ما تنقطع العقول دون تصور أدناه، ولا تحيط من ذلك إلا بما شاء، وأشارت من البراهين والآيات إلى ما يرفع الشكوك ويوضح السلوك مما كانت الأفكار قد خمدت عن إدركها، واستولت عليها الغفلة فكانت قد جمدت عن معهود حراكها، ذكر سبحانه بنعمة التحريك إلى اعتبارها بثنائه على من اختاره لبيان تلك الآيات، واصطفاه لإيضاح تلك البينات، فقال تعالى ‏{‏يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم‏}‏ ثم قال ‏{‏لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهو غافلون‏}‏ فأشار سبحانه إلى ما تثمر نعمة الإنذار، ويبعثه التيقظ بالتذكار؛ ثم ذكر علة من عمي بعد تحريكه وإن كان مسبباً عن الطبع وشر السابقة ‏{‏لقد حق القول على أكثرهم‏}‏ الآيات؛ ثم أشار بعد إلى بعض من عمي عن عظيم تلك البراهين لأول وهلة قد يهتز عند تحريكه لسابق سعادته فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إنا نحن نحيي الموتى‏}‏ فكذلك نفعل بهؤلاء إذا شئنا هدايتهم ‏{‏أو من كان ميتاً فأحييناه‏}‏ ثم ذكر دأب المعاندين وسبيل المكذبين مع بيان الأمر فقال ‏{‏واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية‏}‏- الآيات، واتبع ذلك سبحانه بما أودع في الوجود من الدلائل الواضحة والبراهين فقال ‏{‏ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون‏}‏ الآية، ثم قال ‏{‏وآية لهم الأرض الميتة أحييناها‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أفلا تشكرون‏}‏ ثم قال ‏{‏وآية لهم الّيل نسلخ منه النهار‏}‏ ‏{‏وكل في فلك يسبحون‏}‏ ثم قال ‏{‏وآية لهم أنا حملنا ذريتهم‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إلى حين‏}‏ ثم ذكر إعراضهم مع عظيم هذه البراهين وتكذيبهم وسوء حالهم عند بعثتهم وندمهم وتوبيخهم وشهادة اعضائهم بأعمالهم، ثم تناسجت الآية جارية على ما يلائم ما تقدم إلى آخر السورة- انتهى‏.‏

ولما كان كأنه قيل‏:‏ ما هذا الذي أرسل به‏؟‏ كان كأنه قيل جوباً لمن سأل‏:‏ هو القرآن الذي وقع الإقسام به وهو ‏{‏تنزيل‏}‏ أو حاله كونه تنزيل ‏{‏العزيز‏}‏ أي المتصف بجميع صفات الكمال‏.‏ ولما كانت هذه الصفة للقهر والغلبة، وكان ذلك لا يكون صفة كمال إلا بالرحمة قال‏:‏ ‏{‏الرحيم *‏}‏ أي الحاوي لجميع صفات الإكرام الذي ينعم على من يشاء من عباده بعد الإنعام بإيجادهم بما يقيمهم على المنهاج الذي يرضاه لهم، فهو الواحد الذي لا مثل له أصلاً لما قهر به من عزته، وجبر به من رحمته‏.‏

نزل إليك وهو في جلالة النظم وجزالة القول وحلاوة السبك وقوة التركيب ورصانة الوضع وحكيم المعاني وإحكام المباني في أعلى ذرى الإعجاز، وجعل إنزاله تدريجاً بحسب المصالح مطابقاً مطابقة أعجزت الخلائق عن أن يأتوا بمثلها، ثم نظمه على غير ترتيب النزول نظماً أعجز الخلق عن أن يدركوا جميع المراد من بحور معانيه وحكيم مبانيه، فكله إعجاز على ما له من إطناب وإيجاز‏.‏

ولما ذكر المرسَل والمرسَل به والمرسِل؛ ذكر المرسَل له فقال‏:‏ ‏{‏لتنذر قوماً‏}‏ أي ذوي بأس وقوة وذكاء وفطنة ‏{‏ما أنذر‏}‏ أي لم ينذر أصلاً ‏{‏آباؤهم‏}‏ أي الذين غيروا دين أعظم آبائهم إبراهيم عليه السلام ومن أتى بعدهم عند فترة الرسل‏.‏ ولما كان عدم الإنذار موجباً لاستيلاء الحظوظ والشهوات على العقل فيحصل عن ذلك الغفلة عن طريق النجاة قال‏:‏ ‏{‏فهم‏}‏ أي بسبب زمان الفترة ‏{‏غافلون *‏}‏ أي المعنى على ان «ما» مفعول ثان لتنذر‏:‏ أي لتنذرهم الذي أنذره آباؤهم الذين كانوا قبل التغيير، فإن هؤلاء غافلون عن ذلك لطول الزمان وحدوث النسيان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 11‏]‏

‏{‏لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏7‏)‏ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ‏(‏8‏)‏ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ‏(‏9‏)‏ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏10‏)‏ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ‏(‏11‏)‏‏}‏

ولما كان تطاول الإقامة على شيء موجباً للإلف له، والإلف قتال لما يوجب من الإصرار على المألوف لمحبته «وحبك للشيء يعمي ويصم» قال جواباً لمن يتوقع الجواب عما أثمرته حالهم‏:‏ ‏{‏لقد حق القول‏}‏ أي الكامل في بابه وهو إيجاب العذاب بملازمة الغفلة ‏{‏على أكثرهم فهم‏}‏ أي بسبب ذلك ‏{‏لا يؤمنون *‏}‏ أي بما يلقى إليهم من الإنذار بل يزيدهم عمى استكباراً في الأرض ومكر السيئ‏.‏

ولما كان المعنى أنه لا يتجدد منهم إيمان بعد البيان الواضح والحكمة الباهرة، وكان ذلك أمراً عجباً، علله بما يوجبه من تمثيل حالهم تصويراً لعزته سبحانه وباهر عظمته الذي لفت الكلام إليه لإفهامه- وهذا الذي ذكر هو اليوم معنى ومثال وفي الآخرة ذات ظاهر- وأنه ما انفك عنهم أصلاً وما زال، فقال‏:‏ ‏{‏إنا جعلنا‏}‏ أي بما لنا من العظمة، وأكده لما لهم من التكذيب ‏{‏في أعناقهم أغلالاً‏}‏ أي من ظلمات الضلالات كل عنق غل، وأشار بالظرف إلى أنها من ضيقها لزت اللحم حتى تثنى على الحديد فكاد يغطيه فصار- والعنق فيه- كأنه فيها وهي محيطة به‏.‏

ولما كان من المعلوم أن الحديد إذا وضع في العنق أنزله ثقله إلى المنكب، لم يذكر جهة السفل وذكر جهة العلو فقال‏:‏ ‏{‏فهي‏}‏ أي الأغلال بعرضها واصلة بسبب هذا الجعل ‏{‏إلى الأذقان‏}‏ جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين، فهي لذلك مانعة من مطاطأة الرأس‏.‏ ولما كان هذا من رفع الرأس فعل المتكبر، وكان تكبرهم في غير موضعه، بيّن تعالى أنهم ملجؤون إليه فهو ذل في الباطن وإن كان كبراً في الظاهر فقال‏:‏ ‏{‏فهم‏}‏ أي بسبب هذا الوصول ‏{‏مقمحون *‏}‏ من أقمح الرجل- إذا أقمحه غيره أي جعله قامحاً أي رافعاً رأسه غاضاً بصره لا ينظر إلا ببعض بصره هيئة المتكبر، وأصله من قولهم‏:‏ قمح البعير- إذا رفع رأسه عند الشرب ولم يشرب الماء، قال في الجمع بين العباب والمحكم‏:‏ قال بشر بن أبي حازم يصف سفينة، قال أبو حيان‏:‏ ميتة أحدهم ليدفنها‏:‏

ونحن على جوانبها قعود *** نغض الطرف كالإبل القماح

وقال الرازي في اللوامع‏:‏ والمقمح‏:‏ الذي يضرب رأسه إلى ظهره هيئة البعير، وقال القزاز‏:‏ والمقمح‏:‏ الشاخص بعيينه الرافع رأسه‏.‏ أبو عمرو‏:‏ والقامح من الإبل هو الذي لا يشرب وهو عطشان عطشاً شديداً ولا تقبل نفسه الماء، والقمح مصدر قمحت الشيء والاقتماح‏:‏ أخذك الشيء في راحتك ثم تقمحه في فيك أي تبتلعه، والاسم القمحة كاللقمة والأكلة- انتهى‏.‏ وكأن المقمح من هذا لأن هيئته عند هذا الابتلاع رفع الرأس وغض الطرف أو شخوصه إذا عسر عليه الابتلاع- والله أعلم فهذا تمثيل لرفعهم رؤوسهم عن النظر إلى الداعي تكبراً وشماخة بحيث لو أمكنهم أن يسكنوا الجو لم يتأخروا صلافة وتيهاً، أو لأنهم يتركون هذا الأمر العظيم الحسن الجدير بأن يقبل عليه ويتروى منه وهم في غاية الحاجة إليه، فهم ذلك كالبعير القامح، إنما منعه من الماء مع شدة عطشه مانع عظيم أقمحه، ولكنه خفي أمره فلم يعلم ما هو، ولذلك بنى الاسم للمفعول إشارة إلى أنهم مقهورون على تفويت حظهم من هذا الأمر الجليل‏.‏

ولما كان الرافع رأسه غير ممنوع من النظر أمامه قال‏:‏ ‏{‏وجعلنا‏}‏ أي بعظمتنا‏.‏ ولما كان المقصود حجبهم عن خير مخصوص، وهو المؤدي إلى السعادة الكاملة لا عن كل ما ينفعهم، أدخل الجار فقال‏:‏ ‏{‏من بين أيديهم‏}‏ أي الوجه الذي يمكنهم علمه ‏{‏سداً‏}‏‏.‏ ولما كان الإنسان إذا انسدت عليه جهة مال إلى أخرى قال‏:‏ ‏{‏ومن خلفهم‏}‏ أي الوجه الذي هو خفي عنهم، وأعاد السد تأكيداً لإنكارهم ذلك وتحقيقاً لجعله فقال‏:‏ ‏{‏سداً‏}‏ أي فصارت كل جهة يلتفت إليها منسدة، فصاروا لذلك لا يمكنهم النظر إلى الحق ولا الخلوص إليه، فلذلك قال‏:‏ ‏{‏فأغشيناهم‏}‏ أي جعلنا على أبصارهم بما لنا من العظمة غشاوة ‏{‏فهم‏}‏ أي بسبب ذلك ‏{‏لا يبصرون *‏}‏ أي لا يتجدد لهم هذا الوصف من إبصار الحق وما ينفعهم ببصر ظاهر وبصيرة باطنة أصلاً‏.‏ ولما منعوا بذلك حس البصر، أخبر عن حس السمع فقال‏:‏ ‏{‏وسواء‏}‏ أي مستو ومعتدل غاية الاعتدال من غير نوع فرق؛ وزاد في الدلالة على عدم عقولهم بالتعبير بأداة الاستعلاء إيذاناً بأنهم إذا امتنعوا مع المستعلي كانوا مع غيره أشد امتناعاً فقال‏:‏ ‏{‏عليهم ءأنذرتهم‏}‏ أي ما أخبرناك به من الزواجر المانعة من الكفر ‏{‏أم لم تنذرهم‏}‏ ثم بيّن أن الذي استوى حالهم فيه بما سببه الإغشاء عدم الإيمان، فقال مستانفاً‏:‏ ‏{‏لا يؤمنون *‏}‏‏.‏

ولما بيّن ما كان السبب المانع لهم من الإبصار، علم أن السبب المانع من السمع مثله، لأن المخبر عزيز، فهو إذا فعل شيئاً كان على وجه لا يمكن فيه حيلة‏.‏ ولما أخبر أن الأكثر بهذه الصفة، استشرف السامع إلى أمارة يعرف بها الأقل الناجي لأنه المقصود بالذات فقال جواباً له‏:‏ ‏{‏إنما تنذر‏}‏ أي إنذاراً ينتفع به المنذر فيتأثر عنه النجاة، فالمعنى‏:‏ إنما يؤمن بإنذارك ‏{‏من اتبع الذكر‏}‏ أي أجهد نفسه في اتباع كل ما يذكر بالله من القرآن وغيره ويذكر به صاحبه ويشرف ‏{‏وخشي الرحمن‏}‏ أي خاف العام الرحمة خوفاً عظيماً، ودل لفت الكلام عن مظهر العظمة إلى الوصف بالرحمانية على أن أهل الخشية يكفيهم في الاتعاظ التذكير بالإحسان ‏{‏بالغيب‏}‏ أي بسبب ما يخبر به من مقدوراته الغائبة لا سيما البعث الذي كان اختصاصها بغاية بيانه بسبب كونها قلباً من غير طلب آية كاشفة للحجاب بحيث يصير الأمر عن شهادة لا غيب فيه، بل تجويزاً لما يجوز من انتقامه ولو بقطع إحسانه، لما ثبت له في سورة فاطر من القدرة والاختيار، ويخشاه أيضاً خشية خالصة في حال غيبته عمن يرائيه من الناس، فهؤلاء هم الذين ينفعهم الإنذار، وهو المتقون الذين ثبت في البقرة أن الكتاب هدى لهم، وغيرهم لا سبيل إلى استقامته، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإنه ليس عليك إلا الإنذار، إن الله عليم بما يصنعون، فمن علم منه هذه الخشية أقبل به، ومن علم منه القساوة رده على عقبه بما حال دونه من الغشاوة- والله الموفق‏.‏

ولما دل السياق على أن هذا نفع نفسه، تشوف السامع إلى معرفة جزائه، فقال مفرداً الضمير على النسق الماضي في مراعاة لفظ «من» دلالة على قلة هذا الصنف من الناس بأجمعهم في هذه السورة الجامعة بكونها قلباً لما تفرق في غيرها‏:‏ ‏{‏فبشره‏}‏ أي بسبب خشيته بالغيب ‏{‏بمغفرة‏}‏ أي لذنوبه وإن عظمت وإن تكررت مواقعته لها وتوبته منها، فإن ذلك لا يمنع الاتصاف بالخشية‏.‏ ولما حصل العلم بمحو الذنوب عينها وأثرها قال‏:‏ ‏{‏وأجر كريم *‏}‏ أي دارّ عظيم هنيء لذيذ متواصل، لا كدر فيه بوجه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 16‏]‏

‏{‏إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ‏(‏12‏)‏ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ‏(‏13‏)‏ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ‏(‏14‏)‏ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ‏(‏15‏)‏ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

ولما بين الأصل الثاني هو الرسالة وأتبعها ثمرتها المختومة بالبشارة، وكان الأصل الثالث في الإيمان- وهو البعث- سبباً عظيماً في الترقية إلى اعتقاد الوحدانية التي هي الأصل الأول، وكان أكثر الخائفين منه سبحانه مقتراً عليهم في دنياهم منغضة عليهم حياتهم، علل هذه البشارة إعلاماً بأن هذا الأجر في هذه الدار بالملابس الباطنة الفاخرة من المعارف والسكينة والبركات والطمأنينة، وبعد البعث بالملابس الطاهرة الزاهرة المسببة عن الملابس الدنيوية الباطنة الخفية من غير أهلها، بشارة لهم ونذارة للقسم الذي قبلهم بقوله، مقدماً للبعث لما ذكر من فائدته، لافتاً القول إلى مظهر العظمة إيذاناً بعظمة هذه المقاصد وبأنه لا يحمي لهؤلاء الخلص مع قلتهم ومباينتهم للأولين مع كثرتهم إلا من له العظمة الباهرة‏:‏ ‏{‏إنا نحن‏}‏ أي بما لنا من العظمة التي لا تضاهى ‏{‏نحيي‏}‏ أي بحسب التدريج الآن وجملة في الساعة ‏{‏الموتى‏}‏ أي كلهم حساً بالبعث ومعنى بالإنقاذ إذا أردنا من ظلم الجهل ‏{‏ونكتب‏}‏ أي من صالح وغيره شيئاً فشيئاً بعده فلا يتعدى التفصيل شيئاً في ذلك الإجمال ‏{‏ما قدموا‏}‏ من جميع أفعالهم وأحوالهم وأقوالهم جملة عند نفخ الروح ‏{‏وآثارهم‏}‏ أي سننهم التي تبقى من بعدهم صالحة كانت أو غير صالحة، ونجازي كلاً بما يستحق في الدار الآخرة التي الجزاء فيها لا ينقطع، فلا أكرم منه إذا كان كريماً‏.‏

ولما كان ذلك ربما أوهم الاقتصار على كتابة ما ذكر من أحوال الآدميين أو الحاجة إلى الكتابة، دل على قدرته على ما لا تمكن القدرة عليه لأحد غيره في أقل قليل مما ذكر، فكيف بما فوقه، فقال ناصباً عطفاً لفعليه وهي «تكتب»‏:‏ ‏{‏وكل شيء‏}‏ أي من أمر الأحياء وغيرهم ‏{‏أحصيناه‏}‏ أي قبل إيجاده بعلمنا القديم إحصاء وكتبناه ‏{‏في إمام‏}‏ أي كتاب هو أهل لأن يقصد ‏{‏مبين *‏}‏ أي لا يخفى فيه شيء من جميع الأحوال على أحد أراد علمه منه، فلله هذه القدرة الباهرة والعظمة الظاهرة والعزة القاهرة، فالآية من الاحتباك‏:‏ دل فعل الإحصاء على مصدره وذكر الإمام على فعل الكتابة‏.‏

ولما انتهى الكلام إلى هنا، وكان مقصود السورة كما سلف إثبات الرسالة لإنذار يوم الجمع، وكان الإنذار غاية، وكانت الغايات هي المقاصد بالذات، وكانت غاية الإنذار اتباع الذكر، فكان ذلك غاية الغاية، كان الكلام على المتبعين أولى بالتقديم على أنه يلزم من الكلام فيهم الكلام في أضدادهم وهم المعرضون الذين حق عليهم القول والكلام على اليوم المنذر به، فلذلك ضرب المثل الجامع لذلك كله، ومر إلى أن صور البعث تصويراً لم يتقدم مثله، ثم عطف بآية الطمس وما بعدها على القسم المعرض، ثم رجع إلى الكلام على الرسول والكتاب‏.‏

ولما دل سبحانه على ما له من القدرة الكاملة بالأفعال الهائلة من كل من الإماتة والإحياء الحسيين والمعنويين إبداء وإعادة، وكان ضرب الأمثال بالمشاهدات ألصق شيء بالبال، وأقطع للمراء والجدال، وأكتشف لما يراد من الأحوال، قال عاطفاً على ‏{‏فبشره‏}‏ مبيناً للأصل الثالث الذي هو الأول بالأصالة المقصود بالذات، وهو التوحيد، ضامّاً إليه الأصلين الاخرين، ليكون المثل جامعاً، والبرهان به واضحاً ساطعاً‏:‏ ‏{‏واضرب لهم‏}‏ أي لأجلهم بشارة بما يرجى لهم عند إقبالهم، ونذارة لما يخشى عليهم عند إعراضهم وإدبارهم ‏{‏مثلاً‏}‏ أي مشاهداً في إصرارهم على مخالفة الرسول وصبره عليهم ولطفه بهم، لأنا ختمنا على قلوبهم على الكفران مع قربهم منك في النسب والدار، وفوز غيرهم لأنا نورنا قلوبهم مع البعد في النسب والدار بالإيمان وثمراته الحسان، لأنهم يخشون الرحمن بالغيب، ولا يثبتون على الغباوة والريب‏.‏

ولما ذكر المثل، أبدل منه قوله‏:‏ ‏{‏أصحاب القرية‏}‏ التي هي محل الحكمة واجتماع الكلمة وانتشار العلم ومعدن الرحمة‏.‏ ولما كان الممثل به في الحقيقة إنما هو إخبارها بأحوال أهلها لأنها وجه الشبه، وكانت أخبارها كثيرة في أزمنة مديدة، وعين المراد بقوله‏:‏ ‏{‏إذ‏}‏ وهي بدل اشتمال من القرية مسلوخة من الظرفية‏.‏ ولما كان الآتي ناحية من بلد وإن عظم يعد في العرف آتياً لذلك البلد، أعاد الضمير على موضع الرسالة تحقيقاً له وإبلاغاً في التعريف بمقدار بعد الأقصى فقال‏:‏ ‏{‏جاءها‏}‏ أي القرية لإنذار أهلها ‏{‏المرسلون *‏}‏ أي عن الله لكونهم عن رسوله عيسى عليه السلام أرسلهم بأمره لإثبات ما يرضيه سبحانه ونفي ما يكرهه الذين هم من جملة من قيل في فاطر إنهم جاؤوا بالبينات وبالزبر، والتعريف إما لكونهم يعرفون القرية ويعرفون أمرها، وإما لأنه شهير جداً فهم بحيث لو سألوا أحداً من أهل الكتاب الذين يعتنون بها أخبرهم به، لأنه قد عهد منهم الرجوع إليهم بالسؤال ليبينوا لهم- كما زعموا- مواضع الإشكال‏.‏

ولما كان أعظم مقاصد السياق تسلية النبي صلى الله عليه وسلم في توقفهم عن المبادرة إلى الإيمان به مع دعائه بالكتاب الحكيم إلى صراط المستقيم، وكان في المشاركة في المصائب أعظم تسلية، أبدل من قوله ‏{‏إذ جاءها‏}‏ تفصيلاً لذلك المجيء قوله، مسنداً إلى نفسه المقدس لكونه أعظم في التسلية‏:‏ ‏{‏إذ أرسلنا‏}‏ أي على ما لنا من العظمة‏.‏ ولما كان المقصود بالرسالة أصحابها قال‏:‏ ‏{‏إليهم اثنين‏}‏ أي ليعضد أحدهما الآخر فيكون أشد لأمرهما فأخبراهم بإرسالهما إليهم كأن قالا‏:‏ نحن رسولان إليكم لتؤمنوا بالله ‏{‏فكذبوهما‏}‏ أي مع ما لهما من الآيات، لأنه من المعلوم أنا ما أرسلنا رسولاً إلا كان معه من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، سواء كان عنا من غير واسطة أو كان بواسطة رسولنا، كما كان للطفيل بن عمرو الدوسي ذي النور لما ذهب إلى قومه وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون آية فكانت نوراً في جبهته، ثم سأل أن تكون في غير وجهه فكانت في سوطه‏.‏

ولما كان التضافر على الشيء أقوى لشأنه، وأعون على ما يراد منه، سبب عن ذلك قوله حاذفاً المفعول لفهمه من السياق، ولأن المقصود إظهار الاقتدار على إيقاع الفعل وتصريفه في كل ما أريد له‏:‏ ‏{‏فعززنا‏}‏ أي فأوقعنا العزة، وهي القوة والشدة والغلبة، لأمرنا أو لرسولنا بسبب ما وقع لهما من الوهن بالتكذيب فحصل ما أردنا من العزة- بما أشارت إليه قراءة أبي بكر عن عاصم بالتخفيف ‏{‏بثالث‏}‏ أرسلناه بما أرسلناهما به ‏{‏فقالوا‏}‏ أي الثلاثة بعد أن أتوهم وظهر لهم إصرارهم على التكذيب، مؤكدين بحسب ما رأوا من تكذيبهم‏:‏ ‏{‏إنا إليكم‏}‏ أي لا إلى غيركم ‏{‏مرسلون * قالوا‏}‏ أي أهل القرية‏:‏ ‏{‏ما أنتم‏}‏ أي وإن زاد عددكم ‏{‏إلا‏}‏ ولما نقض الاستثناء النفي زال شبهة ما تلبس فزال عملها فارتفع قوله‏:‏ ‏{‏بشر مثلنا‏}‏ أي فما وجه الخصوصية لكم في كونكم رسلاً دوننا، ولما كان التقدير‏:‏ فما أرسلتم إلينا بشيء، عطفوا عليه قوله‏:‏ ‏{‏وما أنزل الرحمن‏}‏ أي العام الرحمة، فعموم رحمته مع استوائنا في عبوديته تقتضي أن يسوي بيننا في الرحمة فلا يخصكم بشيء دوننا، وأعرقوا في النفي بقولهم‏:‏ ‏{‏من شيء‏}‏‏.‏

ولما كان الإتيان على ما ذكر محتملاً للغلط ونحوه، قالوا دافعين لذلك‏:‏ ‏{‏إن‏}‏ أي ما ‏{‏أنتم إلا تكذبون *‏}‏ أي حالاً ومآلاً ‏{‏قالوا‏}‏ أي الرسل‏:‏ ‏{‏ربنا‏}‏ أي الذي لو لم يكن لنا وازع عن الكذب عليه إلا إحسانه إلينا لكان كافياً ‏{‏يعلم‏}‏ أي ولذلك يظهر على أيدينا الآيات، ويحمينا ممن يكيدنا، وهذه العبارة تجري مجرى القسم، وكذا نحو ‏{‏شهد الله‏}‏‏.‏ ولما واجهوهم بهذا التكذيب المبالغ في تأكيده زادوا في تأكيد جوابه فقالوا‏:‏ ‏{‏إنا إليكم‏}‏ أي خاصة ‏{‏لمرسلون *‏}‏ ما أتيناكم غلطاً ولا كذباً، فالأول ابتداء أخبار، وهذان جوابا إنكار، فأعطى كلاًّ ما يستحق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 24‏]‏

‏{‏وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ‏(‏17‏)‏ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏18‏)‏ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ‏(‏19‏)‏ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ‏(‏20‏)‏ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ‏(‏21‏)‏ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏22‏)‏ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ ‏(‏23‏)‏ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏24‏)‏‏}‏

ولما قرروا ذلك عندهم، اتبعوه بدليله وبالإعلام بأن وبال التكذيب لا يلحقهم منه ضرر، إشارة لهم إلى الإنذار من عذاب الملك الجبار فقالوا‏:‏ ‏{‏وما علينا‏}‏ أي وجوباً من قبل من أرسلنا، وهو الله تعالى الذي له الأمر كله ‏{‏إلا البلاغ المبين *‏}‏ أي المؤيد بالأدلة القطعية من الحجج القولية والفعلية بالمعجزات وغيرها، فلولا أنه يعلم لما أمكننا شيء من ذلك كما أن آلهتكم لما لم يكن لها علم لم يقدروا على بيان في أمرها بشيء، وإذ قد ثبت علم مرسلنا برسالتنا فهو الشاهد لنا بما يظهر على أيدينا وكفى به شهيداً‏.‏

ولما كان حلول الصالحين بين الناس يكون تارة نعمة وأخرى نقمة باعتبار التصديق والتكذيب والإساءة والإحسان، فكان قد حصل لهؤلاء الذين كذبوا هؤلاء الرسل بلاء لتكذيبهم لهم من جدب الأرض وصعوبة الزمان، ونحو ذلك من الامتحان، ذكر ما أثره ذلك عند أهل القرية فقال‏:‏ ‏{‏قالوا‏}‏ ولما كانوا لما يرون عليهم من الآيات وظاهر الكرامات مما يشهد ببركتهم ويمن نقيبتهم بحيث إذا ذموهم توقعوا تكذيب الناس لهم، أكدوا قولهم‏:‏ ‏{‏إنا تطيرنا‏}‏ أي حملنا أنفسنا على الطيرة والتشاوم تطيراً ظاهراً- بما أشار إليه الإظهار بخلاف ما في النمل والأعراف ‏{‏بكم‏}‏ بنسبة ما حل بنا من البلاء إلى شومكم، لأن عادة الجهال التيمن بما مالوا إليه ويسندون ما حل بهم من نعمة إلى يمنة والتشاوم بما كرهوه، ويسندون ما أصابهم من نقمة إلى شومه؛ ثم إنهم استأنفوا استئناف النتائج قولهم على سبيل التأكيد إعلاماً بأن ما أخبروا به لا فترة لهم عنه وإن كان مثلهم مستبعداً عند العقلاء‏:‏ ‏{‏لئن لم تنتهوا‏}‏ أي عن دعائكم هذا ‏{‏لنرجمنكم‏}‏ أي لنشتمنكم أو لنرمينكم بالحجارة حتى تنتهوا أو لنقتلنكم شر قتلة‏.‏ ولما كان الإنسان قد يفعل ما لا يؤخذ أثره فقالوا معبرين بالمس دون الإمساس‏:‏ ‏{‏وليمسنكم منا‏}‏ أي عاجلاً لا من غيرنا كما تقولون أنتم في تهديدكم إيانا بما يحل بنا ممن أرسلكم ‏{‏عذاب أليم *‏}‏ حتى تنتهوا عنا لنكف عن إيلامكم ‏{‏قالوا‏}‏ أي الرسل‏:‏ ‏{‏طائركم‏}‏ أي شومكم الذي أحل بكم البلاء ‏{‏معكم‏}‏ وهو أعمالكم القبيحة التي منها تكذيبكم‏.‏

ولما كان لم يبد منهم غير ما يقتضي عند النظر الصحيح التيمن والبركة، وهو التذكير بالله الذي بيده الخير كله، أنكروا عليهم تطيرهم منهم على وجه مبين أنه لا سبب لذلك غيره فقالوا‏:‏ ‏{‏أئن ذكرتم‏}‏ أي الأجل إن حصل لكم تذكير بالله تطيرتم بنا‏؟‏ ولما كان ذلك لا يصح أن يكون سبباً للتطير بوجه، أضربوا عنه منبهين لهم على أن موضع الشوم إسرافهم لا غير فقالوا‏:‏ ‏{‏بل‏}‏ أي ليس الأمر كما زعمتم في أن التذكير سبب للتطير بل ‏{‏أنتم قوم‏}‏ أي غركم ما آتاكم الله من القوة على القيام فيما تريدون ‏{‏مسرفون *‏}‏ أي عادتكم الخروج عن الحدود والطغيان فعوقبتم لذلك‏.‏

ولما كان السياق لأن الأمر بيد الله، فلا هادي لمن أضل ولا مضل لمن هدى، فهو يهدي البعيد في البقعة والنسب إذا أراد، ويضل القريب فيهما إن شاء، وكان بعد الدار ملزوماً في الغالب لبعد النسب، قدم مكان المجيء على فاعله بياناً لأن الدعاء نفع الأقصى ولم ينفع الأدنى فقال‏:‏ ‏{‏وجاء من أقصا‏}‏ أي أبعد- بخلاف ما مر في سورة القصص؛ ولأجل هذا الغرض عدل عن التعبير بالقرية كما تقدم وقال‏:‏ ‏{‏المدينة‏}‏ لأنها أدل على الكبر المستلزم لبعد الأطراف وجمع الأخلاط‏.‏ ولما بين الفاعل بقوله‏:‏ ‏{‏رجل‏}‏ بين اهتمامه بالنهي عن المنكر ومسابقته إلى إزالته كما هو الواجب بقوله‏:‏ ‏{‏يسعى‏}‏ أي يسرع في مشيه فوق المشي ودون العدو حرصاً على نصيحة قومه‏.‏

ولما تشوفت النفس إلى الداعي إلى إتيانه، بينه قوله‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ واستعطفهم بقوله‏:‏ ‏{‏يا قوم‏}‏ وأمرهم بمجاهدة النفوس بقوله‏:‏ ‏{‏اتبعوا المرسلين *‏}‏ أي في عبادة الله وحده وكل ما يأمرونكم به؛ ثم نبههم على الداعي إلى اتباعهم والمانع من الإعراض عنهم بقوله، معداً الفعل دلالة على شدة اهتمامه به‏:‏ ‏{‏اتبعوا‏}‏ أي بغاية جهدكم ‏{‏من لا يسئلكم‏}‏ أي في حال من الأحوال ‏{‏أجراً‏}‏ ولما كان أفرد الضمير نظراً إلى لفظ «من» دلالة على وجوب الاتباع لمن اتصف بهذا الأمر الدال على الرسالة وإن كان واحداً، جمع بياناً للأولوية بالتظافر والتعاضد والاتفاق في الصيانة والبعد عن الدنس، الدال على اتحاد القصد الدال على تحتم الصدق فقال‏:‏ ‏{‏وهم مهتدون *‏}‏ أي ثابت لهم الاهتداء لا يزايلهم، ما قصدوا شيئاً إلا أصابوا وجه صوابه، فتفوزوا بالدين الموجب للفوز بالآخرة، ولا يفوتكم شيء من الدنيا، فأتى بمجامع الترغيب في هذا الكلام الوجيز‏.‏

ولما أفهم السياق أنه قال‏:‏ فإني اتبعتهم في عبادة الله، بنى عليه قوله جواباً لمن يلومه على ذلك وترغيباً فيما اختاره لنفسه وتوبيخاً لمن يأباه‏:‏ ‏{‏وما‏}‏ أي وأيّ شيء ‏{‏لي‏}‏ في أني ‏{‏لا أعبد الذي فطرني‏}‏ أي وإليه أرجع، فله مبدئي ومعادي، وما لكم لا تعبدون الذي فطركم ‏{‏وإليه‏}‏ أي لا إلى غيره ‏{‏ترجعون *‏}‏ كذلك فهو يستحق العبادة شكراً لما أنعم به في الابتداء وخوفاً من عاقبته في الانتهاء فالآية من الاحتباك‏:‏ حذف «وإليه أرجع» أولاً لما دل عليه ثانياً، وإنكاره عليهم ثانياً بما دل عليه أولاً من إنكاره على نفسه استجلاباً لهم بإظهار الإنصاف، والبعد عن التصريح بالخلاف، وفيه تنبيه لهم على موجب الشكر، وتهديد على ارتكاب الكفر‏.‏

ولما أمر صريحاً ونهى تلويحاً، ورغب ورهب، ووبخ وقرع، وبين جلالة من آمن به ومن كانوا سبباً في ذلك، أنكر على من يفعل غيره بالإنكار على نفسه، محقراً لمن عبدوه من دون الله وهو غارقون في نعمه، فقال مشيراً بصيغة الافتعال إلى أن في ذلك مخالفة للفطرة الأولى‏:‏ ‏{‏ءأتخذ‏}‏ وبين علو رتبته سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏من دونه‏}‏ أي سواء مع دنو المنزلة؛ وبين عجز ما عبدوه بتعدده فقال‏:‏ ‏{‏آلهة‏}‏ ثم حقق ذلك بقوله مبيناً بأداة الشك أن النفع أكثر من الضر ترغيباً فيه سبحانه‏:‏ ‏{‏إن يردن‏}‏ إرادة خفيفة بما أشار إليه حذف الياء، أو شديدة بما أشار إليه إثباتها، ظاهرة بما دل عليه تحريكها، أو خفية بما نبه عليه إسكانها‏.‏

ولما ذكرهم بإبداعه سبحانه له إرشاداً إلى أنهم كذلك، صرح بما يعمهم فقال‏:‏ ‏{‏الرحمن‏}‏ أي العام النعمة على كل مخلوق من العابد والمعبود، وحذرهم بقوله‏:‏ ‏{‏بضر‏}‏ وأبطل أنهى ما يعتقدونه فيها بقوله‏:‏ ‏{‏لا تغن عني‏}‏ أي وكل أحد مثلي في هذا ‏{‏شفاعتهم‏}‏ أي لو فرض أنهم شفعوا ولكن شفاعتهم لا توجد ‏{‏شيئاً‏}‏ من إغناء‏.‏

ولما دل بإفراد الشفاعة على عدهم عدماً ولو اتحدت شفاعتهم وتعاونهم في آن واحد، دل بضمير الجمع على أنهم كذلك سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين فقال‏:‏ ‏{‏ولا ينقذون *‏}‏ أي من مصيبته إن دعا الأمر إلى المشاققة بما أراده فإنه بمجرد إرادته يكون مراده، إنفاذاً ضعيفاً- بما أشار إليه من حذف الياء، ولا شديداً- بما دل عليه من أثبتها ظاهراً خفياً، ثم استأنف ما يبين بعد ذلك عن فعل العقلاء الناصحين لأنفسهم بقوله مؤكداً له بأنواع التأكيد لأجل إنكارهم له بعدم رجوعهم عن معبوداتهم‏:‏ ‏{‏إني إذاً‏}‏ أي إذا فعلت ذلك الاتخاذ ‏{‏لفي ضلال‏}‏ أي محيط بي لا أقدر معه على نوع اهتداء ‏{‏مبين *‏}‏ أي واضح في نفسه لمن لم يكن مظروفاً له، موضح لكل ناظر ما هو فيه من الظلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 29‏]‏

‏{‏إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ‏(‏25‏)‏ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ‏(‏26‏)‏ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ‏(‏27‏)‏ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ ‏(‏28‏)‏ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

ولما أقام الأدلة ولم يبق لأحد تخلف عنه علة، صرح بما لوح إليه من إيمانه، فقال مظهراً لسروره بالتأكيد وقاطعاً لما يظنونه من أنه لا يجترئ على مقاطعتهم كلهم بمخالفتهم في أصل الدين‏:‏ ‏{‏إني آمنت‏}‏ أي أوقعت التصديق الذي لا تصديق في الحقيقة غيره بالرسل مؤمناً لهم من أن أدخل عليهم نوع تشويش من تكذيب أو غيره‏.‏ ولما أرشدهم بعموم الرحمانية تلويحاً، صرح لهم بما يلزمهم شكره من خصوص الربوبية فقال‏:‏ ‏{‏بربكم‏}‏ أي بسبب الذي لا إحسان عندكم إلا منه قد نسيتم ما له لديكم من الربوبية والرحمانية والإبداع، وزاد في مصارحتكم إظهاراً لعدم المبالاة بهم بقوله‏:‏ ‏{‏فاسمعون‏}‏ أي سماعاً إن شئتم أشعتموه، وإن شئتم كتمتموه- بما دل عليه حذف الياء وإثباتها، فلا تقولوا بعد ذلك‏:‏ ما سمعناه، ولو سمعناه لفعلنا به‏.‏ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مثل صاحب يس هذا في هذه الأمة عروة بن مسعود الثقفي حيث بادى قومة الإسلام، ونادى على عليته بالأذان، فرموه بالسهام فقتلوه‏.‏

ولما كان من المعلوم- بما دل عليه من صلابتهم في تكذيبهم الرسل وتهديدهم مع ما لهم من الآيات- أنهم لا يبقون هذا الذي هو من مدينتهم وقد صارحهم بما إن أغضوا عنه فيه انتقض عليهم أكثر أمرهم، لم يذكره تعالى عدّاً له عداد ما لا يحتاج إلى ذكره، وقال جواباً لمن تشوف إلى علم حاله بعد ذلك بقوله إيجازاً في البيان ترغيباً لأهل الإيمان‏:‏ ‏{‏قيل‏}‏ أي له بعد قتلهم إياه، فبناه للمفعول وحذفه لأن المقصود القول لا قائله والمقول له معلوم‏:‏ ‏{‏ادخل الجنة‏}‏ لأنه شهيد، والشهداء يسرحون في الجنة حيث شاؤوا من حين الموت‏.‏

ولما كان الطبع البشري داعياً إلى محبة الانتقام ممن وقع منه الأذى بين سبحانه أن الأصفياء على غير ذلك الحال، فقال مستأنفاً‏:‏ ‏{‏قال يا ليت قومي‏}‏ أي الذين فيهم قوة لما يراد منهم، فلو كانت قوتهم على الكفار لكانت حسنة ‏{‏يعلمون *‏}‏ ولما أريد التصريح بوقوع الإحسان إليه، حل المصدر إلى قوله‏:‏ ‏{‏بما غفر لي‏}‏ أي أوقع الستر لما كنت مرتكباً له طول عمري من الكفر به بإيمان في مدة يسيرة ‏{‏ربي‏}‏ أي الذي أحسن إلي في الأخرى بعد إحسانه في الدنيا ‏{‏وجعلني‏}‏ ولما كان الأنس أعظم فوز، عدل عن أن يقول «مكرماً» إلى قوله‏:‏ ‏{‏من المكرمين *‏}‏ أي الذين أعطاهم الدرجات العلى بقطعهم جميع أعمارهم في العبادة، فنصح لقومه حياً وميتاً يتمنى علمهم بإكرامه تعالى له ليعملوا مثل عمله فينالوا ما ناله، وفي قصته حث على المبادرة إلى مفارقة الأشرار واتباع الأخيار، والحلم عن أهل الحهل وكظم الغيظ والتلطف في خلاص الظالم من ظلمه وأنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله وإن كان محسناً، وهذا كما وقع للأنصار رضي الله عنهم في المبادرة إلى الإيمان مع بعد الدار والنسب، وفي قول من استشهد منهم في بئر معونة- كما رواه البخاري في المغازي عن أنس رضي الله عنه‏:‏ بلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، وفي غزوة أحد كما في السيرة وغيرها لما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم‏:‏ يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال تبارك وتعالى‏:‏ فأنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ‏{‏ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا‏}‏ الآيات في سورة آل عمران، وفي التمثيل بهذه القصة إشارة إلى أن في قريش من ختم بموته على الكفر ولم ينقص ما ضرب له من الأجل فهو سبحانه يؤيد هذا الدين بغيرهم لتظهر قدرته وليستوفي الآجال أولئك، ثم يقبل بقلوب غيرهم، فتظهر مع ذلك حكمته- إلى غير ذلك من ينابيع المعاني، وثابت المباني‏.‏

ولما كان سبحانه قد جعل أكثر جند هذا النبي الكريم من الملائكة فأيده بهم في حالتي المسمالمة والمصادمة وحرسه ممن أراده في مكة المشرفة وبعدها بهم، ذكره ذلك بقوله عاطفاً على ما تقديره‏:‏ وما أنزلنا على قومه قبل قتلهم له من جند من السماء يحول بينهم وبين ذلك كما فعلنا بك إذ أراد أبو جهل قتلك بالصخرة وأنت ساجد عند البيت وغيره بغير ذلك مما هو مفصل في السير، وأما بعد الهجرة ففي غزوة الأحزاب إذ أرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً ردتهم خائبين، وفي غزوة أحد وبدر وحنين وغير ذلك‏:‏ ‏{‏وما أنزلنا‏}‏ بما لنا من العظمة ‏{‏على قومه‏}‏ أي صاحب يس ‏{‏من بعده‏}‏ أي بعد قتله، وأعرق في النفي بقوله‏:‏ ‏{‏من جند‏}‏ وحقق المراد بقوله‏:‏ ‏{‏من السماء‏}‏ أي لإهلاكهم، وحقق أن إرسال الجنود السماوية أمر خص به صلى الله عليه وسلم لأنه لحكم ترجع إلى النصرة بغير الاستئصال فإنهم يتبدون في صور الآدميين ويفعلون أفعالهم، وأما عذاب الاستئصال فإن السنة الإلهية جرت بأنه لا يكون بأكثر من واحد من الملائكة لأنه أدل على الاقتدار، فلذلك قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما كنا منزلين *‏}‏ أي ما كان ذلك من سنتنا، وما صح في حكمتنا أن يكون عذاب الاستئصال بجند كثير ‏{‏إن‏}‏ أي ما ‏{‏كانت‏}‏ أي الواقعة التي عذبوا بها ‏{‏إلا صيحة‏}‏ صاحها بهم جبريل عليه السلام فماتوا عن آخرهم‏؟‏ وأكد أمرها وحقق وحدتها بقوله‏:‏ ‏{‏واحدة‏}‏ أي لحقارة أمرهم عندنا، ثم زاد في تحقيرهم ببيان الإسراع في الإهلاك بقوله‏:‏ ‏{‏فإذا هم خامدون *‏}‏ أي ثابت لهم الخمود ما كأنهم كانت لهم حركة يوماً من الدهر، ومن المستجاد في هذا قول أبي العلاء أحمد ابن سليمان المعري‏:‏

وكالنار الحياة فمن رماد *** أواخرها وأولها دخان

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 33‏]‏

‏{‏يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏30‏)‏ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ‏(‏31‏)‏ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ‏(‏32‏)‏ وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

ولما أخبر عنهم سبحانه بما هو الحق من أمرهم، ورغبهم بما ضرب لهم من المثل ورهبهم ولم ينفعهم ذلك، أنتج التأسيف عليهم وعلى الممثل بهم ومن شابههم فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يا حسرة‏}‏ أي هذا الحال مستحق لملازمة حسرة عظيمة ‏{‏على العباد‏}‏ فكأنه قيل لها‏:‏ تعالى فهذا من أحوالك التي حقك أن تحضري فيها، فإن هؤلاء أحقاء بأن يتحسر عليهم، والحسرة‏:‏ شدة الندم على ما فات، فأحرق فقده وأعيى أمره، فلا حيلة في رده، ويجوز أن يكون المعنى أن العباد- لكثرة ما يعكسون من أعمالهم- لا تفارقهم أسباب الحسرة ولا حاضر معهم غيرها، فلا نديم لهم إلا هي، ولا مستعلي عليهم وغالب لهم سواها‏.‏

ولما كان كأنه قيل‏:‏ أيّ حال‏؟‏ قال مبيناً له ومعللاً للتحسر بذكر سببه‏:‏ ‏{‏ما يأتيهم‏}‏ وأعرق في النفي والتعميم بقوله‏:‏ ‏{‏من رسول‏}‏ أي رسول كان في أيّ وقت كان ‏{‏إلا كانوا به‏}‏ أي بذلك الرسول ‏{‏يستهزءون *‏}‏ أي يوجدون الهزء، والرسل أبعد الخلق من الهزء حالاً ومقالاً وفعالاً، ومن الواضح أن المستهزئ بمن هذا حاله هالك فهو جدير بملازمة الحسرة وأن يتحسر عليه‏.‏

ولما أتم سبحانه الخبر عن أول أمر الممثل بهم وأول أمر المؤمن بهم وآخره، وأذن هذا التحسر بأن هلاك المكذبين أمر لا بد منه، دل عليه معجباً عن عدم نظرهم لأنفسهم ومهدداً للسامعين منهم، ومحذراً من آخر أمر الممثل بهم على وجه اندرج فيه جميع الأمم الماضية والطوائف الخالية بقوله‏:‏ ‏{‏ألم يروا‏}‏ أي يعلم هؤلاء الذين تدعوهم علماً هو كالرؤية بما صح عندهم من الأخبار وما شاهدوه من الآثار‏:‏ ‏{‏كم أهلكنا‏}‏ على ما لنا من العظمة، ودل قوله‏:‏ ‏{‏قبلهم‏}‏- بكونه ظرفاً لم يذكر فيه الجار- على أن المراد جميع الزمان الذي تقدمهم من آدم إلى زمانهم، وإدخال الجار على المهلكين يدل على أن المراد بعضهم، فرجع حاصل ذلك إلى أن المراد‏:‏ انظروا جميع ما مضى من الزمان هل عذب فيه قوم عذاب الاستئصال إلا بسبب عصيان الرسل فقال‏:‏ ‏{‏من القرون‏}‏ أي الكثيرة الشديدة الضخمة، والقرن- قال البغوي‏:‏ أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم في الوجود ‏{‏أنهم‏}‏ أي لأن القرون‏.‏

ولما كان المراد من رسول ليس واحداً بعينه، وكانت صيغة فعول كفعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث والواحد والجمع، أعاد الضمير للجميع فقال‏:‏ ‏{‏إليهم‏}‏ أي إلى الرسل خاصة من حيث كونهم رسلاً ‏{‏لا يرجعون *‏}‏ أي عن مذاهبهم الخبيثة، ويخصون الرسل بالاتباع فلا يتبعون غيرهم أصلاً في شيء من الأشياء الدينية او الدنيوية فاطردت سنتنا ولن تجد لسنتنا تبديلاً في أنه كلما كذب قوم رسولهم أهلكناهم ونجينا رسولهم ومن تبعه، أفلا يخاف هؤلاء أن نجريهم على تلك السنة القديمة القويمة ف «إن» تعليلية على إرادة حذف لام العلة كما هو معروف في غير موضع، وضمير ‏{‏أنهم‏}‏ للمرسل إليهم، وضمير ‏{‏إليهم‏}‏ للرسل، لا يشك في هذا من له ذوق سليم وطبع مستقيم، والتعبير بالمضارع للدلالة على إمهالهم والتأني بهم والحلم عنهم مع تماديهم في العناد بتجديد عدم الرجوع، و‏{‏يرجعون‏}‏ هنا نحو قوله تعالى

‏{‏ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 21‏]‏ أي عن طرقهم الفاسدة- وهذا معنى الآية بغير شك، وليس بشيء قول من قال‏:‏ المعنى أن المهلكين لا يرجعون إلى الدنيا ليفيد الرد على من يقول بالرجعة لأن العرب ليست ممن يعتقد ذلك، ولو سلم لم يحسن، لأن السياق ليس له، لم يتقدم عنهم غير الاستهزاء، فأنكر عليهم استهزاءهم مع علمهم بأن الله تعالى أجرى سنته أن من استهزأ بالرسل وخالف قولهم فلم يرجع إليه أهلكه، أطرد ذلك من سنته ولم يتخلف في أمة من الأمم كما وقع لقوم نوح وهود ومن بعدهم، لم يتخلف في واحدة منهم، وكلهم تعرف العرب أخبارهم، وينظرون آثارهم، وكذا يعرفون قصة موسى عليه السلام مع فرعون فالسياق للتهديد فصار المعنى‏:‏ ألم ير هؤلاء كثرة من أهلكنا ممن قبلهم لمخالفتهم للرسل، أفلا يخشون مثل ذلك في مخالفتهم لرسولهم‏؟‏ وذلك موافق لقراءة الكسر التي نقلها البرهان السفاقسي عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره عن الحسن، وقالوا‏:‏ إنها استئنافية، فهي على تقدير سؤال من كأنه قال‏:‏ لم أهلكهم‏؟‏ وهذا كما إذا شاع أن الوادي الفلاني ما سلكه أحد إلا أصيب، يكون ذلك مانعاً عن سلوكه، وإن أراد ذلك أحد صح أن يقال له‏:‏ ألم تر أنه ما سلكه أحد إلا هلك، فيكون ذلك زاجراً له ورادّاً عن التمادي فيه، لكون العلة في الهلاك سلوكه فقط، وذلك أكف له من أن يقال له‏:‏ ألم تر أن الناس يموتون وكثرة من مات منهم ولم يرجع أحد منهم، غير معلل ذلك بشيء من سلوك الوادي ولا غيره، فإن هذا أمر معلوم له، غير مجدد فائدة، وزيادة عدم الرجوع إلى الدنيا لا دخل لها في العلية أيضاً لأن ذلك معلوم عند المخاطبين بل هم قائلون بأعظم منه من أنه لا حياة بعد الموت لا إلى الدنيا ولا إلى غيرها، وعلى تقدير التسليم فربما كان ذكر الرجوع للأموات أولى بأن يكون تهديداً، فإن كل إنسان منهم يرجع حينئذ إلى ما في يد غيره مما كان مات عليه ويصير المتبوع بذلك تابعاً أو يقع الحرب وتحصل الفتن، فأفاد ذلك أنه لا يصلح التهديد بعدم الرجوع- والله الموفق للصواب‏.‏

ولما كان كثير من أهل الجهل وذوي الحمية والأنفة لا يبالون بالهلاك في متابعة الهوى اعتماداً على أن موتة واحدة في لحظة يسيرة أهون من حمل النفس على ما لا تريد، فيكون لهم في كل حين موتات، أخبر تعالى أن الأمر غير منقض بالهلاك الدنيوي، بل هناك من الخزي والذل والهوان والعقوبة والإيلام ما لا ينقضي أبداً فقال‏:‏ ‏{‏وإن كل‏}‏ أي وإنهم كلهم، لا يشذ منهم أحد، وزاد في التأكيد لمزيد تكذيبهم بقوله‏:‏ ‏{‏لما‏}‏ ومن شدد ‏{‏لما‏}‏ فالمعنى عنده «وما كل منهم إلا» وأشار إلى أنهم يأتون صاغرين راغمين في حالة اجتماعهم كلهم في الموقف لا تناصر عندهم ولا تمانع وليس أحد منهم غائب بحال التخلف عن الانتصار عليه فقال‏:‏ ‏{‏جميع‏}‏ وأشار إلى غرابة الهيئة التي يجتمعون عليها بقوله‏:‏ ‏{‏لدينا‏}‏ وزاد في العظمة بإبرازه في مظهرها، وعبر باسم الفاعل المأخوذ من المبني للمفعول جامعاً نظراً إلى معنى ‏{‏كل‏}‏ لأنه أدل على الجمع في آن واحد وهو أدل على العظمة‏:‏ ‏{‏محضرون *‏}‏ أي في يوم القيامة بعد بعثهم بأعيانهم كما كانوا في الدنيا سواء، إشارة إلى أن هذا الجمع على كراهة منهم وإلى أنه أمر ثابت لازم دائم، كأنه لعظيم ثباته لم يزل، وأنه لا بد منه، ولا حيلة في التفصي عنه، وأنه يسير لا توقف له غير الإذن، فإذا أذن فعله كل من يؤمر به من الجنود كائناً من كان، وما أحسن ما قال القائل‏:‏

ولو أنا متنا تركنا *** لكان الموت راحة كل حي

ولكنا إذا متنا بعثنا *** ونسأل بعدها عن كل شي

ولما أتم ضرب المثل المفيد لتمام قدرته على الأفعال الهائلة ببشارة ونذارة حتى أن من طبع على قلبه فهو لا يؤمن وإن كان قريباً في النسب والدار، ومن أسكن قلبه الخشية يؤمن وإن شط به النسب والمزار، فتم التعريف بالقسم المقصود بالذات وهو من يتبع الذكر، وختم بالبعث وكانوا له منكرين، وكان قد جعله في صدر الكلام من تمام بشارة من اتبع الذكر، دل عليه بقوله مبتدئاً بنكرة تنويها دال على تعظيمها‏:‏ ‏{‏وآية‏}‏ أي علامة عظيمة ‏{‏لهم‏}‏ على قدرتنا على البعث وإيجادنا له ‏{‏الأرض‏}‏ أي هذا الجنس الذي هم منه؛ ثم وصفها بما حقق وجه الشبه فقال‏:‏ ‏{‏الميتة‏}‏ التي لا روح لها لأنه لا نبات بها أعم من أن يكون بها نبات وفني فتفتت وصار تراباً أو لم يكن بها شيء أصلاً‏.‏ ثم استأنف بيان كونها آية بقوله‏:‏ ‏{‏أحييناها‏}‏ أي باختراع النبات فيها أو بإعادته بسبب المطر كما كان بعد اضمحلاله‏.‏

ولما كان إخراج الأقوات نعمة أخرى قال‏:‏ ‏{‏وأخرجنا منها حباً‏}‏ ونبه تعالى على عظيم القدرة فيها وعلى عموم نفعها بمظهر العظمة، وزاد في التنبيه بالتذكير بأن الحب معظم ما يقيم الحيوان فقال مقدماً للجار إشارة إلى عد غيره بالنسبة إليه عدماً لعظيم وقعه وعموم نفعه بدليل أنه متى قل جاء القحط ووقع الضرر‏:‏ ‏{‏فمنه‏}‏ أي بسبب هذا الإخراج ‏{‏يأكلون *‏}‏ أي فهو حب حقيقة يعلمون ذلك علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين لا يقدرون على أن يدعوا أن ذلك خيال سحري بوجه، وفي هذه الأية وأمثالهم حث عظيم على تدبر القرآن واستخراج ما فيه من المعاني الدالة على جلال الله وكماله، وقد أنشد هنا الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله في تفسيره في عيب من أهمل ذلك فقال‏:‏

يا من تصدر في دست الإمامة في *** مسائل الفقه إملاء وتدريسا

غفلت عن حجج التوحيد تحكمها *** شيدت فرعاً وما مهدت تأسيسا

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 38‏]‏

‏{‏وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ‏(‏34‏)‏ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ‏(‏35‏)‏ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏36‏)‏ وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ‏(‏37‏)‏ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ‏(‏38‏)‏‏}‏

ولما ذكر سبحانه ما في الزروع وما لا ساق له من النعمة والقدرة، ودل السياق فيه على الحصر، أتبعه ما بين المراد التعظيم لا الحصر الحقيقي بإظهار المنة في غيره من الأشجار الكبار والصغار ذات الأقوات والفواكه، فقال دالاً على عظمه بمظهر العظمة‏:‏ ‏{‏وجعلنا‏}‏ أي بما لنا من العظمة ‏{‏فيها‏}‏ أي الأرض ‏{‏جنات‏}‏ أي بساتين تستر داخلها بما فيها من الأشجار الملتفة‏.‏ ولما كان النخل- مع ما فيه من النفع- زينة دائماً بكونه لا يسقط ورقه، قدمه وسماه باسمه فقال‏:‏ ‏{‏من نخيل‏}‏ وفيه أيضاً إشارة إلى أنه نفع كله خشبه وليفه وشعبه وخوصه وعراجينه وثمره طلعاً وجماراً وبسراً ورطباً وتمراً، ولذلك- والله أعلم- أتى فيه بصيغة جمع الكثرة كالعيون، ولما كان الكرم لا تكون له زينة بأوراق تجن إلا ما كان العنب قائماً قال‏:‏ ‏{‏وأعناب‏}‏ ودل بالجمع فيهما دون الحب على كثرة اختلاف الأصناف في النوع الواحد الموجب للتفاوت الظاهر في القدر والطعم وغير ذلك‏.‏

ولما كانت الجنات لا تصلح إلا بالماء، وكان من طبع الماء الغور في التراب والرسوب بشدة السريان إلى أسفل، فكان فورانه إلى جهة العلو أمراً باهراً للعقل لا يكون إلا بقسر قاسر حكيم قال‏:‏ ‏{‏وفجرنا‏}‏ أي فتحنا تفتيحاً عظيماً ‏{‏فيها‏}‏ ودل على تناهي عظمته وتعاليها عن أن يحاط بشيء منها بالتبعيض بقوله‏:‏ ‏{‏من العيون *‏}‏ والتعريف هنا يدل على أن الأرض مركبة على الماء، فكل موضع منها صالح لأن ينفجر منه الماء، ولكن الله يمنعه عن بعض المواضع بخلاف الأشجار ليس منها شيء غالباً على الأرض، ففي ذلك تذكير بالنعمة في حبس الماء عن بعض الأرض لتكون موضعاً للسكن، ولو شاء لفجر الأرض عيوناً كما فعل بقوم نوح عليه السلام فأغرق الأرض كلها‏.‏

ولما كانت حياة كل شيء إنما هي بالماء، أشار إلى ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏ليأكلوا من‏}‏ وأشارت قراءة حمزة والكسائي بصيغة الجمع مع إفراد الضمير إلى أن الشجرة الواحدة تجمع بالتطعيم أصنافاً من الثمر ‏{‏ثمره‏}‏ أي من ثمر ما تقدم، ولولا الماء لما طلع، ولولا أنه بكثرة لما أثمر بعد الطلوع‏.‏

ولما كان الإنسان قد يتسبب في تربية بعض الأشياء، أبطل سبحانه الأسباب فيما يمكن أن يدعو فيه تسبباً، ونبه على أن الكل بخلقه فقال‏:‏ ‏{‏وما عملته‏}‏ أي ولم تعمل شيئاً من ذلك ‏{‏أيديهم‏}‏ أي عملاً ضعيفاً- بما أشار إليه تأنيث الفعل فكيف بما فوقه وإن تظافروا على ذلك بما أشار إليه جمع اليد‏.‏ ولما كان السياق ظاهراً في هذا جاءت قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بحذف الضمير غير منوي قصراً للفعل تعميماً للمفعول رداً لجميع الأمور إلى بارئها سواء كانت بسبب أو بغير سبب، أي ولم يكن لأيديهم عمل لشيء من الأشياء لا لهذا ولا لغيره مما له مدخل في عيشهم ومن غيره، ولذلك حسن كل الحسن إنكاره عليهم عدم الشكر بقوله‏:‏ ‏{‏أفلا يشكرون *‏}‏ أي يدأبون دائماً في إيقاع الشكر والدوام على تجديده في كل حين بسبب هذه النعم الكبار‏.‏

ولما كان السياق لإثبات الوحدانية والإعلام بأن ما عبد من دونه لا استحقاق له في ذلك بوجه، ولا نفع بيده ولا ضر، وأنتج هذا السياق بما دل عليه من تفرده بكل كمال وأنه لا أمر لأحد معه بوجه من الوجوه- تنزهه عما ادعوه من الشرك غاية التنزه، قال لافتاً للكلام عن مظهر العظمة لأن إثباتها بالرحمة الدال عليها أدخل في التعظيم‏:‏ ‏{‏سبحان الذي‏}‏ ووصفه بما أكد ما مضى من إسناد الأمور كلها إليه ونفى كل شيء منها عمن سواه فقال‏:‏ ‏{‏خلق الأزواج‏}‏ أي الأنواع المتشاكلة المتباينة في الأوصاف وفي الطعوم والأرابيح والأشكال والهيئات والطبائع وغير ذلك من أمور لا يحصيها إلا الله تدل أعظم دلالة على كمال القدرة وعظيم الحكمة والاختيار في الإرادة، وأكد بقوله‏:‏ ‏{‏كلها‏}‏ لإفادة التعميم؛ ثم زاد الأمر تصريحاً بالبيان بقوله‏:‏ ‏{‏مما تنبت الأرض‏}‏ فدخل فيه من كل نجم وشجر ومعدن وغيره من كل ما يتولد منها، وأشار- لكونه في سياق تكذيبهم- إلى تأديبهم بتحقيرهم بجمع القلة والتعبير بالنفس التي تطلق في الغالب على ما يذم به فقال‏:‏ ‏{‏ومن أنفسهم‏}‏ وبين أن وراء ذلك أموراً لا يعلمها إلا هو سبحانه فقال‏:‏ ‏{‏ومما لا يعلمون *‏}‏ أي ومما لا يحتاجون إليه في دينهم ولا دنياهم، ولا توقف لشيء من إصلاح المعاش والمعاد عليه، ولو كان ذلك لأعلم به كما أعلم بأحوال الآخرة وغيرها مما لم نكن نعلمه‏.‏

ولما دربهم على النظر بآيات الأعيان الحسية الدالة على القدرة الباهرة لا سيما على البعث، رقاهم إلى المعاني على ذلك النحو، فإن إيجاد كل من الملوين بعد إعدامه أدل دليل على البعث، فقال ناقلاً لهم من المكان الكلي إلى الزمان الكلي الجامعين للجواهر والأعراض‏:‏ ‏{‏وآية لهم‏}‏ أي على إعادة الشيء بعد إفنائه ‏{‏الّيل‏}‏ أي الذي يشاهدونه لا شك عندهم فيه ولا حيلة بوجه في رفعه؛ ثم استأنف قوله‏:‏ ‏{‏نسلخ‏}‏ عائداً إلى مظهر العظمة دلالة على جلالة هذا الفعل بخصوصه‏.‏

ولما كان الأصل في هذا الوجود الظلام، والضياء حادث، وكان ضياؤه ليس خالصاً، عبر ب «من» التي تصلح للملابسة مع التخلل في الأجزاء فقال‏:‏ ‏{‏منه النهار‏}‏ أي الذي كان مختلطاً به بإزالة الضوء وكشفه عن حقيقة الليل ‏{‏فإذا هم‏}‏ بعد إزالتنا للنهار الذي سلخناه من الليل ‏{‏مظلمون *‏}‏ أي داخلون في الظلام بظهور الليل الذي كان الضياء ساتراً كما يستر الجلد الشاة، قال الماوردي‏:‏ وذلك أن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء فإذا خرج منه أظلم- نقله ابن الجوزي عنه، وقد أرشد السياق حتماً إلى أن التقدير‏:‏ والنهار نسلخ منه الليل الذي كان ساتره وغالباً عليه فإذا هم مبصرون‏.‏

ولما ذكر الوقتين، ذكر آيتيهما فقال‏:‏ ‏{‏والشمس‏}‏ أي التي سلخ النهار من الليل بغيبوبتها ‏{‏تجري‏}‏ ولما كان غيابها بالليل مثل سكون الإنسان في مبيته، وجعلها على خط قدر لسيرها كل يوم بتقدير لا زيع فيه ومنهاج لا يعوج، قال‏:‏ ‏{‏لمستقر‏}‏ أي عظيم ‏{‏لها‏}‏ وهو السير الذي لا تعدوه جنوباً ولا شمالاً ذاهبة وآئبة، وهي فيه مسرعة- بدليل التعبير باللام في موضع «إلى» ويدل على هذا قراءة «لا مستقر لها» بل هي جارية ابداً إلى انقراض الدنيا في موضع مكين محكم هو أهل للقرار، وعبر به مع أنها لا تستقر ما دام هذا الكون لئلا يتوهم أن دوام حركتها لأجل أن موضع جريها لا يمكن الاستقرار عليه، ولا ينافي هذا ما في صحيح البخاري وفي كتاب الإيمان من صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «مستقرها تحت العرش، وأنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها‏:‏ ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها»- هذا لفظ مسلم، وسيأتي لفظ البخاري، ويمكن أن يكون المستقر آخر جريها عند إبادة هذا الوجود‏.‏

ولما كان هذا الجري على نظام لا يختل على مر السنين وتعاقب الأحقاب تكل الأوهام عن استخراجه، وتتحير الأفهام في استنباطه، عظمه بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي الأمر الباهر للعقول؛ وزاد في عظمه بصيغة التفعيل في قوله‏:‏ ‏{‏تقدير‏}‏ وأكد ذلك لافتاً القول عن مطلق مظهر العظمة إلى تخصيصه بصفتي العزة والعلم تعظيماً لهذه الآية تنبيهاً على أنها أكبر آيات السماء فقال‏:‏ ‏{‏العزيز‏}‏ أي الذي لا يقدر أحد في شيء من أمره على نوع مغالبة، وهو غالب على كل شيء ‏{‏العليم *‏}‏ أي المحيط علماً بكل شيء الذي يدبر الأمر، فيطرد على نظام عجيب ونهج بديع لا يعتريه وهن ولا يلحقه يوماً نوع خلل إلى أن يريد سبحانه إبادة هذا الكون فتسكن حركاته وتفنى موجوداته، روى البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه قال‏:‏ «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال‏:‏ يا أبا ذر‏!‏ أتدري أين تذهب‏؟‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم، قال‏:‏ فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها‏:‏ ارجعي من حيث جئت، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والشمس تجري لمستقر لها‏}‏»‏.‏